لا الرحلةُ ابتدأتْ ، ولا الدربُ انتهى
---------------------------------------------------------------------------------
بينما كان الجميع يلتمسون النور في الصباح كنت أنا أنتظر الليل بفارغ الصبر
هناك يقبع نوري
يطل علي بحضور أنيق و وجود مبهج من وراء الأبنيه متحدّياً بذلك إرتفاعات "أبراج" الخرطوم الشاهقه
...
بما أنّني في مزاج إبداعي و بحاجه ماسّه للكتابه بعد انتهائي من قراءة رواية القاضي الأخير لجون غريشام ,
حيث أنّني أشعر بلهفة عطشى للكتابه بعد قراءة ما كتبه الآخرين
رأيت أنه من المناسب و المتوافق جدّاً مع مزاجي أن أسخر من الخرطوم ...هذه المدينة التي تحترف الفشل ببطوليّة!!
فالسخرية من الخرطوم, بالرغم من أنها لا تستلزم الكثير من البحث و التفكير لأجد مادّتي المناسبه
إلا أنني أعتبرها حاله خاصه فهي بدلاً عن التفكير تستنزف العواطف
الخرطوم فتاة في الثلاثينات ليست يافعه و ليست كبيره
بالرغم من ذلك هي طفله في داخلها
طفلة غير ناضجة
تجعلك محتاراً بين أن تعشقها أو تربّت عليها أو تبغضها
ترتدي اللاوو و البرقع... أبواتها كتار و أعمامها ميه
خيلانها معقدين أمّا أمهاتها فشغلهن الإرهاق
لا إخوة لها..
تعاني من الوحده رغم وجود إخواتها الــ26
لا أعلم كم أصبحن الآن !!
صبيه أبنوسيه و قمحية جميله
ملامحها منحوته من تراب الأرض
و سحرها كان هديّة من السماء..
مع ذلك هي لاتهتم بنفسها
يحيط بها أخصّائيو المكياج و العمليات الجراحية
متعلّمه و ساذجة ... و منكسره
الخرطوم صبية صادقت النيل و قاطعت البشر
تحرسها السماء
عزلت ذاتها بعد أن كثر أولياؤها
همست لي يوماً بأنّها جميلة جدّاً
تنتظر فارسها الذي سيبث بقُبلتة الحياة في شوارعها لينهي سباتها
تدلي جدائلها من على ضفاف النيل كي يتسلّقها مهديٌّ ما و ينقذها
ستقبّلها الإرادة يوماً لتحوّلها من "قعونجة" إلى أميرة
و ستكون أميرة مشلّخه جميلة ...
ستحوّل الساحرة النيل إلى توب ترتديه و السماء ستكون جدلتها...ستتزيّن بالخريف كفستانها
و تضع توتي دبّوساً و تربط غابة السنط خلخالاً
و لن يكون عليها العودة في منتصف الليل ... سيستمر الحفل حتى الأبد ...
إبتسمت أنا لثانية و تخيّلتني أحمل الخرطوم التي تسلّل جمالها إلى داخلي و أنا أتجوّل فيها
تخيّلتني أتنفّس التوب و الجلّابيه و العمّة و السديري و المركوب و المشلعيب و السعن و القربة و الكارّو
و الحقيبة و أغاني البنات و الدلوكه و الربابه و النحاس و الجرتق و الحنه و الفركة و الجدلة و الهلال و بخت الرضا و مدرسة الخرطوم النموذجيه و جامعة الخرطوم
و المقرن و أم درمان وغابة السنط و مسجد النيلين و ...... إلخ مع هواءها
تخيّلتني أحسّها و أضمّها و أقبّل جبينها ...أصابتني السعاده لفتره !!
ثم نظرت حولي و همست لها ...أنتِ تكذبين
في كُلِّ ريحٍ تَعْبَثُ امرأةٌ بشاعرها
- خُذِ الجهةَ التي أَهديتني
الجهةَ التي انكَسَرتْ ،
وهاتِ أُنوثتي ،
لم يَبْقَ لي إلاّ التَأمُّلُ في
تجاعيد البُحَيْرَة . خُذْ غدي عنِّي
وهاتِ الأمس ، واتركنا معاً
لا شيءَ ، بعدَكَ ، سوف يرحَلُ
أَو يَعُودُ
درويش ..